المقريزي

290

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

واللّه ما طرق سمعي مثلها رضي اللّه عنكم . وحدثني أبو عبد اللّه ، قال : كنت بتونس في أوائل العشر الثالث من القرن التاسع وبها إذ ذاك رجل مغربي ينتمي للشّرف يجري عليه أبو فارس في كلّ يوم ثمن دينار وله عوائد إحسان في المولد النّبوي والأعياد وأظنّ أنّ له مع ذلك كسوة في كلّ عام ، فاتفق أنّه اشترى أحد المغاربة جارية من امرأة بتونس وأراد التّوجه بها إلى بلاد المغرب فأبت الجارية التّوجه للمغرب وهربت إلى دار سيّدتها ، فلما فقدها التّاجر قال له من يثق به : إنّها بدار سيدتها ، فأتاها وقال لها : تيقّنت أنّ الجارية عندك وخوّفها بالسّلطان فأبت ، فسار إلى الشّريف المتقدّم ذكره وأخبره ، فأتى معه إلى المرأة وأمرها بردّ جارية الرّجل ، فقالت : لا أردّ عليه غير الثّمن وتقاولا ، فقالت المرأة : أنا باللّه وبمولاي كذا أبو فارس . فقال الشّريف : لعنك اللّه ، ولعن مولاك أبو فارس « 1 » ، فقالت : تشتم في مولاي أبو فارس « 2 » فأعاد اللّعنة فإذا بعمر ابن قليل الهمّ أحد كتاب السّلطان قد مرّ بهم ، فقالت المرأة : يا سيدي عمر تعال هذا الرّجل زعم أنّه شريف وأخذ منذ اليوم يشتم ويلعن في أهل بلدي ثم أظهرت الانتصار بمولاي أبو فارس فلعنه وكرّر اللّعن . فقال الكاتب : أما تستحي يا سيدي الشّريف تلعن مولانا وإحسانه متواتر عليكم خصوصا الشّرفاء ؟ فقال بكثافة طباع وجفاء : اللّه يلعنك ويلعن مولاك أبو فارس . فمرّ الكاتب باكيا إلى السّلطان وأخبره الخبر بنصّه . فقال : ذاك شريف ولا يحكم في الشّريف إلا مزواره « 3 » . فبلغ ذلك مزوار الشّرفاء فأمر بسجن الشّريف ، فلما علم السّلطان بسجنه شقّ عليه وقام على قدميه وقال : لا واللّه ما يسجن حفيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لشتمه إياي ، اذهبوا أخرجوه ولا يروّعه أحد ولا يسمّعه ما

--> ( 1 ) هكذا على الحكاية . ( 2 ) كذلك . ( 3 ) المزوار : كلمة بربرية تعني : الرئيس ( دوزي 5 / 384 ) .